أبو علي سينا
52
التعليقات
خارجة عن ذاته ، كان بالحقيقة هو المختار . وإنما لا يصح فينا الاختيار الحقيقي لأن فينا قوتين : قوة تطلب شيئا خلاف ما تجبر عليه ، وقوة تحاول ضد ذلك . والأول ليس فيه هذا لأن صدور الأشياء عن ذاته هو بحسب خيريته ، وتلك الأشياء غير منافية لذاته فلا يكون هناك تنازع في الإرادة . يجب أن يكون في الوجود وجود بالذات ، وفي الاختيار اختيار بالذات وفي الإرادة إرادة بالذات ، وفي القدرة قدرة بالذات حتى يصح أن تكون هذه الأشياء لا بالذات في شئ . ومعناه أن يكون يجب أن يكون واجب الوجود وجودا بالذات ومختارا بالذات وقادرا بالذات ومريدا بالذات حتى تصح هذه الأشياء لا بالذات في غيره . [ الامكان في العقول ] العقول الفعالة لم يسبق وجودها إمكان ، فليست هي مادية ، فإمكان وجودها في ذواتها . [ كمالات الإنسان ] كمالات الإنسان في العلم والعمل محدودة ، وهي غير معتد بها بالقياس إلى كمالات العقليات ، والناس فيها متفاوتون ، وقلما يوجد منهم من يحيط بها مع نزارة مقدارها بل الجمهور فيهم نقص ، وكل إنسان يعرف من نفسه نقصانه ويشهد عليها به ولذلك يدهش فلا يهتدى إلى سمت رشده ، ولأجل هذا الدهش يذهب عن طلبها يأسا منها فيحيد عنها إلى أمور دنياوية ، أو يعول في علمه على أوهام مضلة . قد نكره على فعل شئ ويكون فيه صلاحنا فلا يكون فعلنا تبعا للوهم . [ بطلان نظرية المعتزلة في اثبات الواجب وصفاته ] المعتزلة يظنون أنهم قد أثبتوا « أولا » ليس بجسم ، وليس الأمر على ذلك فإن براهينهم خيّلت لهم أنه ليس بجسم . ثم لما جاءوا إلى تفصيل أحواله شبهوا أحواله وأفعاله بأحوال الإنسان . والسبب في ذلك أنهم لم يعرفوا خواصّ ما ليس بجسم فكانوا يثبتونها له بل ثبتوا له أحوالا تبعوا فيها الوهم بواسطة المحسوسات ، ثم قاسوا إليه أحوال المحسوسات فلم يقدروا على أن يوفّوه حقه في المجد والعلو ، وحسبوا أنه إذا بريء من الأفعال الإنسانية والقدرة الإنسانية والإرادة الإنسانية والاختيار الإنسانى كان نقصا له ، ولم يعلموا أن هذه الأحوال التي لنا هي نقصانات ، ولم يعرفوا أيضا الكمال الحقيقي . فقصارى أمرهم أنهم نفوا عنه أحوال الجمادات ، وأثبتوا له أحوال الإنسان . والأحوال الجسمانية والأفعال التي تصدر عن الجسماني لا تخلو من نقصانات كثيرة بالقياس إلى الكمال المطلق . وهم قاسوا أحوال الأول بأحوال الإنسان لأنهم لم يعرفوا العقليات وذات الأول ، وأثبتوا له صفات هي في الإنسان فضائل وكمالات كالعلم والحكمة والسمع والبصر ، وإنما أثبتوها له هربا من نقائضها . إلا أنهم لما رأوا الإنسان مع هذه الفضائل